محمد جمال الدين القاسمي

329

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث : في الحرب . والإصلاح بين الناس . وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها . و روى الإمام أحمد « 1 » وأبو داود « 2 » والترمذي « 3 » عن أبي الدرداء قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا : بلى . يا رسول اللّه ! قال : إصلاح ذات البين . قال : وفساد ذات البين هي الحالقة . قال الترمذيّ : حسن صحيح . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 115 ] وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ( 115 ) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ أي يخالفه ويعاديه مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى أي اتضح له الحق وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ أي غير ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل ، وهو الدين القيّم نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى أي . نجعله واليا مرجحا ما تولاه من المشاقة ومتابعة غير سبيلهم فنزينه له تزين الكفر على الكفرة ، استدراجا له ليكون دليلا على شدة العقوبة في الآخرة . كما قال تعالى : فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ ، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [ القلم : 44 ] . وقال تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ الصف : 5 ] . وقال سبحانه : وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ الأنعام : 110 ] وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ أي : ندخله إياها وَساءَتْ مَصِيراً وجعل النار مصيره في الآخرة . لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة . كما قال تعالى : احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [ الصافات : 22 ] . الآية . وقال تعالى : وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً [ الكهف : 53 ] . قال الإمام ابن كثير : قوله تعالى : وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ هذا ملازم للصفة الأولى . ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقا . فإنه قد ضمنت لهم العصمة ، في

--> ( 1 ) الإمام أحمد في المسند 6 / 445 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في : الأدب ، 50 - باب في إصلاح ذات البين ، حديث 4919 . ( 3 ) أخرجه الترمذيّ في : الزهد ، 56 - باب حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم البغداديّ .